صديق الحسيني القنوجي البخاري
28
فتح البيان في مقاصد القرآن
الذي يستحقونه ، ويستوجبونه ، لسبب كفرهم مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا أي أبعد طريقا عن الحق والهدى ، أهم ؟ أم المؤمنون ؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد ، واتباع الهوى ، فقال معجبا لرسوله : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قدم المفعول الثاني للعناية به كما تقول علمت منطلقا زيدا قاله الزمخشري ، أي أطاع هواه طاعة ، كطاعة الإله ، أي انظر إليه يا محمد ، وتعجب منه والوجه الآخر أنه لا تقديم ، ولا تأخير ، لاستوائهما في التعريف ، قاله السمين فادعاء القلب ليس بجيد ، لأنه من ضرورات الشعر وقال أبو السعود بالوجه الأول ، ثم قال : ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويها في التعريف ؛ فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة ، أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه ، من غير أن يلاحظه ، وبنى عليه أمر دينه ، معرضا عن استماع الحجة الباهرة ، والبرهان النير بالكلية عن ابن عباس قال : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية ، فإذا وجد حجرا أحسن منه ، رمى به ، وعبد الآخر ، فأنزل اللّه الآية ، وعنه قال : ذلك الكافر لا يهوى شيئا إلا اتبعه ، وعن الحسن مثله . أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أي حفيظا ، وكفيلا ، حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر وتحفظه من اتباع الهوى ، وعبادة ما يهواه من دون اللّه ، والاستفهام للإنكار والاستبعاد ، فالمعنى لست تقدر على ذلك ، ولا تطيقه ، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك ، وإنما عليك البلاغ ، وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بآية القتال . قاله الكلبي ، ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ما تتلو عليهم من آيات القرآن ، ومن المواعظ سماع تفهم ، واعتبار أَوْ يَعْقِلُونَ معاني ذلك ويفهمونه ، حتى تعتني بشأنهم ، وتطمع في إيمانهم ، وليسوا كذلك ، بل هم بمنزلة من لا يسمع ، ولا يعقل . وتخصيص الأكثر بالذكر ، لأنه كان منهم من آمن ، ومنهم من عقل الحق ، وكابر استكبارا وخوفا على الرياسة ، ثم بين سبحانه حالهم ، وقطع مادة الطمع فيهم فقال : إِنْ هُمْ أي ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إِلَّا كَالْأَنْعامِ التي هي مسلوبة العقل والفهم ، فلا تطمع فيهم فإن فائدة السمع والعقل مفقودة ، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ، ويعقلون ما يتلى عليهم ، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك ، كانوا كالفاقد له . ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم ، بأنهم كالأنعام ، إلى ما هو فوق ذلك ؛ فقال : بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام سَبِيلًا أي طريقا قال مقاتل : البهائم تعرف ربها ، وتهتدي إلى مراعيها ومشاربها ، وتنقاد لأربابها ، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم ؛ الذي خلقهم ؛ ورزقهم ، والمعنى أنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن